الخطيب الشربيني

312

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

أكان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا فقال : أما تقرأ وَتَرَكُوكَ قائِماً وعن جابر بن عبد الله قال : « كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس » « 1 » وذكر أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة ، وقد كانوا خليقا لفضلهم أن لا يفعلوا ، فقال : حدثنا محمد بن خالد ، قال : حدثنا الوليد ، قال : أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان قال : كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة كالعيدين ، حتى كان يوم جمعة والنبي صلى اللّه عليه وسلم يخطب وقد صلى الجمعة فدخل رجل يقال له : دحية بن خليفة قدم بتجارة ، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفوف فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقدم النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم الجمعة وأخر الصلاة ، وكان لا يخرج أحد لرعاف أو حدث بعد النهي حتى يستأذن النبي صلى اللّه عليه وسلم يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام ، فيأذن له النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم يشير إليه بيده ، فكان في المنافقين من تثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد ، فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستترا به حتى يخرج فأنزل الله تعالى : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً [ النور : 63 ] الآية » « 2 » . قال السهيلي : وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحا وقال قتادة : وبلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات كل مرة عير تقدم من الشام ، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة . وقيل : إن خروجهم لقدوم دحية بتجارته ونظرهم إلى العير ، وهي تمر لهو لا فائدة فيه إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على ذلك الوجه ، ولكنه لما اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم والانفضاض عن حضرته غلظ وكبر ، ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل . وقوله تعالى : وَتَرَكُوكَ أي : تخطب حتى بقيت في اثني عشر رجلا ، قال جابر : أنا أحدهم قائِماً جملة حالية من فاعل انفضوا ، وقد مقدرة عند بعضهم . تنبيه : في قوله تعالى : قائِماً تنبيه على مشروعيته في الخطبتين ، وهو من الشروط للقادر على القيام ، وأما أركانهما فخمسة : حمد الله تعالى ، وصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم بلفظهما ، ووصية بتقوى الله ، وهذه الثلاثة في كل من الخطبتين ، وقراءة آية مفهمة ولو في إحداهما والأولى أولى ، ودعاء للمؤمنين والمؤمنات في ثانية ، ومن الشروط كونهما عربيتين ، وكونهما في الوقت ، وولاء ، وطهر ، وستر كالصلاة قُلْ يا أشرف الخلق للمؤمنين ما عِنْدَ اللَّهِ أي : المحيط بجميع صفات الكمال خَيْرٌ ما موصولة مبتدأ وخير خبرها مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ والمعنى : ما عند الله تعالى من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم ، وفائدة تجارتكم . وقيل : ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما اقتسمتموه من لهوكم وتجارتكم وَاللَّهُ أي : ذو الجلال والإكرام وحده خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي : خير من رزق وأعطى فاطلبوا منه ، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة . وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة ومن لم يأتها في أمصار المسلمين » « 3 » حديث موضوع .

--> ( 1 ) أخرجه النسائي في الجمعة حديث 1416 ، والدارمي في الصلاة حديث 1558 . ( 2 ) انظر القرطبي في تفسيره 18 / 111 . ( 3 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 539 .